يعاني كثيرون من لحظة وضع الرأس على الوسادة، حيث يبدأ داخل الذهن تدفق أفكار ومخاوف يطرد النوم ويؤدي إلى أرق متكرر. ويؤكد الدكتور إبراهيم مجدي، استشاري الطب النفسي، أن هذه الحالة قد تتحول إلى اضطراب يستنزف الطاقة النفسية والجسدية.
وأوضح استشاري الطب النفسي أن الصمت والهدوء اللذين يسبقان النوم يعملان كـ«كاشف ومكبر» للأفكار المؤجلة، مشيراً إلى أن الإنسان يقضي نهاره في الهروب للداخل وللأمام عبر أعباء العمل والارتباطات ومتابعة منصات التواصل الاجتماعي، وبمجرد اختفاء المشتتات الخارجية ليلاً يواجه العقل عالمه الداخلي فتطفو الأزمات بصورة أكثر حدة.
كيف يتحول التفكير إلى أرق وقلق
قال الدكتور إبراهيم مجدي إن الفرد قد يدخل دائرة مغلقة تبدأ بالقلق من المشكلة التي يتم التفكير فيها، ثم تتطور إلى القلق من عدم القدرة على استجلاب النوم، ليتحول الأرق نفسه إلى مشكلة إضافية تُضاف إلى القلق الأصلي.
وأشار إلى أن الأبحاث الحديثة في الطب النفسي وطب النوم تؤكد أن القلق المرتبط ببيئة ووقت النوم تحديداً هو المسبب المباشر لاضطرابات النوم الحادة، وليس مجرد كثرة التفكير الإيجابي أو التخطيطي أثناء النهار.
ولفت إلى وجود خلط شائع بين التفكير الطبيعي التقييمي وبين الأنماط المرضية للتفكير الزائد؛ فالتفكير الصحي يركز على تحديد المشكلة وتحليل الخيارات واتخاذ خطوات عملية لحلها، بينما يكمن الخطر في «الاجترار النفسي» الذي يعيد عرض المشاهد والأسئلة بأسلوب تكراري دون تقدم، أو «القلق التوقعي» الذي يصنع سيناريوهات كارثية لم تحدث، إضافة إلى «الانشغال القهري» الذي يسلب الفرد قدرته على إدارة حياته ونومه.
ما هو «الاستنزاف الذهني» ولماذا لا ينفع قمع الأفكار
وأوضح الدكتور إبراهيم مجدي أنه يستخدم مصطلح «الاستنزاف الذهني» (Over Wasting) لوصف حالة إهدار الطاقة النفسية والوقت في التفكير الدائري المفرغ، مشيراً إلى أن المريض قد يراجع حوارات وانفعالات قديمة انتهت منذ سنوات أو يتخيل أزمات مستقبلية قد لا تقع أو يغرق في جلد الذات على قرارات مضت.
وحذر استشاري الطب النفسي من محاولة طرد الأفكار بالقوة أو محاربتها أثناء التواجد في السرير، مؤكداً أن الدماغ لا يستجيب لتعليمات الحظر المطلق مثل «يجب ألا أفكر»، وأن السعي المقاوم يفرض على العقل مراقبة وجود الفكرة من عدمها بما يؤدي إلى تثبيتها وتضخيم حضورها الذهني. وأضاف أن مصادر طب النوم المعتمدة تؤكد أن قمع الأفكار ليس استراتيجية علاجية فعالة.
وأشار إلى أن البديل العلمي يتمثل في الاعتراف بوجود الفكرة دون الدخول معها في نقاشات أو تحليلات طويلة، والتعامل معها كأنها غيمة عابرة، مع الالتزام بالانسحاب التدريجي نحو تقنيات الاسترخاء أو التدوين الكتابي أو الاستعانة ببرامج العلاج المعرفي السلوكي المخصصة للأرق عند الحاجة.
خطة عمل قبل النوم وإجراءات عند استمرار الأرق
وشدد الدكتور إبراهيم مجدي على أهمية تطبيق خطة عمل وإسعافات أولية للعقل قبل التوجه للمضجع للتغلب على «النزيف» النفسي. وحدد خطة الحل في تفريغ الأفكار عبر تفريغ المشاعر والمخاوف على الورق لمدة 10 دقائق قبل النوم ثم إغلاقها، مع تقسيم المشكلات إلى أجزاء يمكن التحكم فيها وأخرى خارج السيطرة يجب صرف النظر عنها، وتحويل القلق إلى خطوة واحدة عملية يتم تنفيذها في اليوم التالي بدلاً من استيعاب الحل كاملاً في الليلة نفسها.
كما حذر من تحويل السرير إلى «غرفة اجتماعات» أو ساحة للمحاكمات الذهنية، مؤكداً أن الفراش يجب أن يرتبط شرطياً بالنوم والراحة فقط دون محاربة الفكرة بل بتركها تمضي دون تضخيم أو تأنيب.
واختتم بالإشارة إلى أنه إذا استمر الأرق وتأثيره المباشر على المزاج والأداء اليومي والعلاقات الاجتماعية، يصبح من الضروري طلب المساعدة المتخصصة والخضوع لجلسات «العلاج المعرفي السلوكي للأرق» (CBT-I)، وهو البروتوكول الذهبي المعتمد عالمياً لإعادة تنظيم برمجية النوم وحماية الصحة النفسية.
