أوائل خريجي الكليات العسكرية يروون كيف صنعتهم الانضباط والمسؤولية

نبذة عن المقال
7 من أوائل خريجي الكليات العسكرية يروون كيف غيّرتهم سنوات الدراسة والتدريب، من إدارة الوقت إلى تحمل الضغوط والثقة بالنفس

في نهاية الرحلة تبدو الصورة بسيطة.. خريج يقف في يوم التخرج، اسم يتقدم قائمة دفعته، وأسرة ترى سنوات الانتظار والتعب تتحول إلى لحظة فرح، لكن خلف كلمة «الأول» حكايات أطول بكثير من منصة التكريم؛ بعضها بدأ بحلم في سنوات المدرسة، وبعضها بدأ من المركز السابع قبل أن ينتهي في الصدارة، وبعضها احتاج إلى خمس سنوات كاملة من الدراسة والتدريب، فيما اتفقت جميعها تقريبا على أن التفوق لم يكن وليد يوم واحد، بل حصيلة تفاصيل يومية صغيرة، من موعد لا يتأخر عنه الطالب، ومحاضرة لا يهملها، وتدريب يؤديه باجتهاد، ووقت ينظمه، وأسرة تدفعه إلى الأمام عندما يتسلل إليه التعب.

وفي أحاديث أوائل خريجي الكليات العسكرية، مع رئيس وحدة الإعلام والتحليل العسكري بجريدة «الوطن»، لم تكن الدرجات هي القصة الوحيدة؛ فحين سألنا كل منهم عما تغير في شخصيته، عادت الكلمات نفسها بصور مختلفة، وهي الانضباط، والمسؤولية، وإدارة الوقت، وتحمل الضغوط، والثقة بالنفس، والعمل على تطوير الذات؛ فهذه ليست رواية شخص واحد، بل 7 تجارب من كليات وتخصصات مختلفة، لكل منها طريقها الخاص، لكنها تلتقي جميعا عند يوم واحد: يوم التخرج.

ربما تكون رحلة الملازم تحت الاختبار/ زياد طارق المنشاوي، الأول على كلية الدفاع الجوي، الأقرب إلى تلخيص معنى الاستمرار في المحاولة؛ لأنه لم يبدأ مشواره في الصدارة؛ فيقول «زياد»، لـ«الوطن»، إن الالتحاق بكلية الدفاع الجوي، وبالأكاديمية العسكرية عموما، كان حلما بالنسبة إليه، ومنذ دخوله، وضع أمامه هدفا قائما على الالتزام والانضباط وتنفيذ الأوامر والتعليمات، إلى جانب الاهتمام بمحاضراته وتعليمه، سواء المدني أو العسكري.

ولم ينظر إلى حلم أن يكون الأول على دفعته سقفا لا يستطع تحقيقه؛ فكان النجاح، بحسب حديثه، يدفعه إلى الرغبة في إضافة نجاح جديد والمحافظة على ما وصل إليه، ومن المركز السابع في بداية الدراسة، تحرك إلى المقدمة حتى أصبح الأول، وظل محتفظا بموقعه حتى يوم التخرج.
لكن الأكثر حضورا في حكايته ليس الانتقال في الترتيب، بل التحول في الشخصية؛ فقبل الأكاديمية، يتذكر نفسه شابا يفكر في الخروج والنوم دون ارتباط كامل بمواعيد محددة.. وبعد الالتحاق، تعلم أهمية الوقت، وكيف ينظمه، وكيف يعمل تحت الضغط، وكيف يتعامل مع أكثر من مهمة في وقت واحد ويحقق النجاح فيها.

وكانت الأسرة جزءا أصيلا من القصة؛ فـ«زياد» هو الابن الوحيد، ووالده مدني، ولا توجد خلفية عسكرية في الأسرة، لكنه أكد أن والده اعتاد أن يترك له حرية اختيار طريقه ثم يشجعه عليه؛ فلم يجد معارضة عندما قرر الالتحاق بإحدى الكليات العسكرية، بل وجد أسرته بجانبه في الأوقات التي كان يشعر فيها بالإحباط أو يتوقف عند نقطة صعبة؛ والده ووالدته وشقيقته، كما قال، كانوا «الحافز الأول» لاستكمال الطريق.

وعلى مسار مختلف جاءت تجربة ملازم أول طيار تحت الاختبار/ محمد أيمن محمد باشا، الأول على الطيران في الكلية الجوية، حين تحدث عن لحظة التخرج، بدأ من الشعور نفسه، وهو إحساس وصفه بأنه «مشرف» و«جميل جدا»، خصوصا أن أسرته كانت موجودة معه في هذا اليوم.

لكن سؤاله عن الفرق بين محمد قبل الكلية ومحمد بعدها فتح بابا أكبر للحديث؛ فقبل الالتحاق، لم يكن يهتم بصحته بالطريقة نفسها، ولم تكن حياته تحمل مقدار الانضباط ذاته.. أما بعد سنوات الكلية، فيقول إن شخصيته تغيرت؛ أصبح قادرا على تحمل أشياء أكثر، وتغيرت طريقة كلامه لتصبح أكثر لباقة، كما تغير مظهره وشعوره تجاه نفسه؛ فبالنسبة إليه، لم تكن الكلية مكانا للحصول على شهادة فقط، وإنما مرحلة أعادت تشكيل الشخصية.

ومن هذه التجربة خرجت نصيحته للطلاب الذين يخوضون مراحل التقديم، وهي أن يسعى الطالب، ويقدم، ويفعل ما عليه، ويحافظ على نفسه، ثم يترك النتيجة لله؛ فإذا قُبل، فعليه أن يحافظ على نفسه داخل الكلية، ويذاكر، ويؤدي واجباته؛ ففي رؤيته، لا يحتاج التفوق إلى «جهد مضاعف» بقدر ما يحتاج إلى الالتزام والانضباط؛ فالانضباط، كما قال، يأتي في المقام الأول.

أما الملازم تحت الاختبار أحمد سعد محمد عبدالوهاب، الأول على الكلية العسكرية التكنولوجية، فلم يبدأ إعداد نفسه يوم التقديم، وإنما قبل ذلك بسنوات؛ فيحكي، لـ«الوطن»، أن حلم الالتحاق بالقوات المسلحة كان موجودا منذ صغره، ولذلك بدأ، وهو في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في تعديل سلوكه ليصبح أكثر انضباطا والتزاما بالمواعيد، واهتم برفع مستوى لياقته البدنية؛ فكان يعرف الهدف قبل أن يصل إلى بوابة الاختبارات، ولذلك تعامل مع سنوات ما قبل التقديم باعتبارها جزءا من الاستعداد.

وعندما التحق بالكلية العسكرية التكنولوجية، لم يكن هدفه فقط أن يمر بالسنوات الدراسية، وإنما، بحسب قوله، أن يكون «مؤثرا في المكان» وأن يكون مختلفا؛ فبذل جهدا في الدراسة، حتى انتهى به الطريق في المركز الأول على دفعته، وهي لحظة وصفها بأنها شرف وفخر كبير لأي طالب في كلية عسكرية.

الأسرة هنا عادت مرة أخرى لتحتل مساحة كبيرة؛ فـ«أحمد» لم يصف أهله بأنهم «دعم» فقط، بل قال إنهم كانوا «ضهر» له؛ موجودين في أي وقت، منذ مراحل التقديم والاختبارات، وكان والده ووالدته بجانبه في رحلته، وفي يوم التخرج رأى في نجاحه فرصة لرد جانب من تعبهم معه، موجهًا الشكر لأسرته باعتبارهم «سند» له في رحلة تفوقه.

وتحدث «أحمد» أيضا عن التحول في التعليم داخل الكلية؛ من التوسع في دراسة اللغات إلى التدريب على وسائل حديثة، والعمل على مواكبة أحدث التطورات في مجال التكنولوجيا، بما يؤهل الخريجين للتعامل مع المعدات والأنظمة المختلفة.

ولم ينس في يوم التخرج أن يوجه الشكر إلى مدير الكلية اللواء أركان حرب شريف الجمل وأعضاء هيئة التدريس، مؤكدا أنهم وفروا للطلاب السبل اللازمة حتى يصلوا إلى تلك المرحلة.

من بين أحاديث الأوائل، جاءت كلمات الملازم أول عمر خالد عمران، الأول على الكلية الفنية العسكرية، لتقدم زاوية مختلفة، وهي الاحتفاء بالمركز الأول، من دون اختزال النجاح فيه؛ فالدراسة في الكلية الفنية العسكرية امتدت بالنسبة إليه خمس سنوات، جمعت بين الدراسة العلمية والتدريب العسكري، وهو ما جعل الرحلة تحتاج إلى جهد كبير في المذاكرة والتدريب في الوقت نفسه.

وعندما وجّه رسالته للراغبين في الالتحاق، وضع الانضباط في المقدمة، لكنه أضاف شرطا يرتبط بطبيعة الكلية نفسها، وهي أن يكون الطالب متميزا في الجانب العلمي، وخاصة المواد المرتبطة بالرياضيات، وأن يكون مستعدا للاجتهاد والعمل المستمر فيها؛ فإذا كان الطالب جيدا في هذا الجانب ومستعدا لأن يعمل عليه، فإنه يستطيع الوصول إلى مكان متقدم.

لكن الجملة الأكثر دلالة في حديث عمر جاءت عندما ابتعد عن ترتيبه الشخصي؛ فقال، بمعنى واضح، إن كل الذين تخرجوا في ذلك اليوم من الكلية الفنية العسكرية «أبطال»، لأنهم تمكنوا من إكمال خمس سنوات من الدراسة والتدريب، وحتى من لم يحالفه الحظ ليكون الأول، يكفي أنه استطاع أن يتخرج من الكلية، بمستوى علمي وعملي متميز.

بل ذهب أبعد من ذلك، مؤكدا أن الإنسان يمكن أن يكون «الأول جوه نفسه» حتى لو لم يظهر ترتيبه في المقدمة، وأن المطلوب بعد التخرج هو أن يواصل الجميع حياتهم ومسارهم المهني بصورة جيدة، وأن يكون الهدف النهائي خدمة مصر؛ فلديه تتحول كلمة «الأول» من ترتيب أكاديمي إلى معيار شخصي، وهو أن يقدم كل فرد أفضل ما لديه في مجاله.

وعند الملازم بحري تحت الاختبار/ مؤمن أحمد مرسي، الأول على الكلية البحرية، تظهر طبيعة مختلفة للتجربة، أساسها تعدد مجالات الدراسة؛ فتحدث مؤمن عن تخرج دفعته باعتبارها الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية المصرية، مشيرا إلى أن الخريجين يجمعون بين أكثر من مسار دراسي، من العلوم البحرية والعسكرية إلى الدراسة المرتبطة بالسياسة والاقتصاد والعلوم السياسية.

وبالنسبة إليه، فإن أبرز ما يميز الكلية البحرية هو الكم الكبير والمتنوع من العلوم، خصوصا العلوم البحرية باعتبارها مجالا واسعا، إلى جانب الانضباط العسكري واللياقة البدنية.

وعندما طُلبت منه رسالة للشباب الذين يرغبون في التقدم للكليات العسكرية، لم يبدأ بالدرجات، بل بـالوعي والمسؤولية؛ فالطالب الذي يسعى إلى أن يكون ضمن صفوف القوات المسلحة، من وجهة نظره، يجب أن يدرك مقدار المسؤولية التي يختارها، وأن يكون واعيا بما يعنيه هذا الطريق وما يمثله من شرف ومسؤولية.

وفي تجربة الملازم تحت الاختبار/ دعاء أشرف، الأولى على الضباط المتخصصين تخصص التمريض، جاء التحول من الحياة المدنية إلى العسكرية من زاوية شديدة القرب من حياة الشباب اليومية، وهي الهاتف والوقت؛ فكانت رسالتها الأولى للفتيات الراغبات في خوض التجربة أن تكون الفتاة راغبة بالفعل في المجال وتحبه، لا أن تختاره لمجرد أنه يبدو اختيارا جيدا أو مناسبا؛ فالحياة الجديدة تحتاج، من وجهة نظرها، إلى اقتناع حقيقي بما تختاره الفتاة.

أما الفارق الأكبر الذي شعرت به بعد الالتحاق؛ فكان المزيد من الانضباط والالتزام، ثم اكتشاف قيمة الوقت؛ فقارنت دعاء بين الحياة المدنية، حيث يرتبط كثيرون بالهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي ويمكن أن يضيع الوقت من دون إحساس، وبين الحياة العسكرية التي أصبح فيها كل شيء يتم في توقيت محدد؛ فغياب الهاتف عن تفاصيل اليوم جعلها، كما قالت، تعرف «قيمة الوقت»، إلى جانب ما اكتسبته من انضباط والتزام وثقة بالنفس؛ فربما تبدو تلك التفاصيل صغيرة، لكنها تختصر واحدة من أبرز الرسائل المتكررة في جميع القصص، وهي أن إدارة اليوم ليست أمرا هامشيا، بل جزء من صناعة الشخصية.

وتكتمل الصورة مع الملازم تحت الاختبار/ محمد إيهاب مرزوق، الأول على الكلية الحربية، الذي تحدث، لـ«الوطن»، عن تجربة تجمع بين الدراسة العسكرية ومجموعة من مجالات الدراسة المدنية، ومنها السياسة والاقتصاد واللوجستيات والحاسبات والمعلومات، لكن اللافت في حديثه كان الربط بين الدراسة وما يجري خارج أسوار الكلية.

أكد «محمد» أن الطالب لا يعيش بعيدا عن الأحداث العالمية، بل يجب أن يكون على اطلاع مستمر بما يحدث؛ فهناك متابعة للأحداث والأخبار، والطالب مطالب بأن يعرف ما يدور حوله، لأن القائد قد يسأله عن الأحداث الجارية، وبالتالي يجب أن يكون واعيا بما يحدث خارج نطاق دراسته المباشرة.

ومن هنا جاءت رسالته للشباب منسجمة مع بقية القصص، وهي استثمار الوقت؛ فبدلا من إهداره لفترات طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن استغلاله في الدراسة، واللياقة البدنية، وتنظيم اليوم، وتعلم لغات أو ثقافات جديدة؛ فبالنسبة إليه، فإن الالتزام بالمواعيد داخل الحياة العسكرية، من الاستيقاظ إلى اللياقة والمحاضرات والمذاكرة والنوم، أدى إلى تغيير شخصيته وزيادة إحساسه بالمسؤولية.

أوائل خريجي الكليات العسكرية: قادرون على مجابهة أي تحديات.. والانضباط يصنع الطريق إلى منصة التكريمأوائل خريجي الكليات العسكرية: قادرون على مجابهة أي تحديات.. والانضباط يصنع الطريق إلى منصة التكريمأوائل خريجي الكليات العسكرية: قادرون على مجابهة أي تحديات.. والانضباط يصنع الطريق إلى منصة التكريمأوائل خريجي الكليات العسكرية: قادرون على مجابهة أي تحديات.. والانضباط يصنع الطريق إلى منصة التكريم


  • أوائل خريجي الكليات العسكرية.


  • منصة التكريم.


  • الكليات العسكرية.


  • الثقة بالنفس.


  • زياد طارق المنشاوي.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#أحمد سعد محمد عبدالوهاب#الأكاديمية العسكرية المصرية#الكليات العسكرية#زياد طارق المنشاوي#عمر خالد عمران#محمد أيمن محمد باشا