مقال يدعو إلى جعل حماية المواطن معيارًا لنجاح الإصلاح الاقتصادي

نبذة عن المقال
مقال يحذر من الاكتفاء بتحسين المؤشرات المالية، ويؤكد أن نجاح الإصلاح الاقتصادي يقاس بحماية القوة الشرائية للمواطن وتوسيع الحماية الاجتماعية

الدكتور أمين لطفي

الدكتور أمين لطفي.

عندما يصبح الإنسان معيار نجاح الإصلاح الاقتصادي لا مجرد متحمل لتكاليفه.

احموا الناس لا الأسعار.. من إصلاح الموازنة إلى حماية المواطن.. في عبارة بالغة الدلالة، اختتمت كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، رسالتها إلى صناع السياسات الاقتصادية يوم 14 أكتوبر 2026 قائلة: احموا الناس لا الأسعار (Protect People، Not Prices). وجاءت دعوتها ضمن تحذير من اتساع الاختلالات المالية، مطالبة الحكومات بتعزيز الإيرادات، وترشيد الإنفاق، وتحسين إدارة المالية العامة، قبل أن تتفاقم الأزمات.

هذه العبارة ليست مجرد نصيحة اقتصادية عابرة، بل تطرح سؤالًا جوهريًا أمام الدول التي تنفذ برامج للإصلاح الاقتصادي، وفي مقدمتها مصر: هل ينبغي أن يكون الهدف تحرير الأسعار وتصحيح الموازنة العامة، أم حماية قدرة المواطن على الحياة الكريمة في أثناء الإصلاح وبعده؟ والأهم: هل يمكن اعتبار الإصلاح ناجحًا إذا تحسنت المؤشرات المالية بينما استمرت الضغوط على القوة الشرائية للأسر؟

لقد جاءت رسالة جورجييفا في وقت تتعرض فيه الاقتصادات لصدمات متلاحقة في أسعار الطاقة والغذاء، وتتقلص فيه المساحات المالية المتاحة للحكومات. لكن تطبيق مبدأ حماية الناس يتطلب فهمًا متوازنًا يجمع بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية والمساءلة عن النتائج.

الداء الأول: اختلال ترتيب الأولويات بين الأسعار والدخول

تكمن المعضلة في أن تحرير أسعار الطاقة والسلع والخدمات قد يتحقق بقرارات إدارية سريعة، بينما تحتاج زيادة الدخول الحقيقية وتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل إلى إصلاحات مؤسسية واستثمارات تستغرق وقتًا أطول.

وهنا تنشأ فجوة بين سرعة ارتفاع تكاليف المعيشة وبطء تحسن القدرة الشرائية، خصوصًا لدى أصحاب الدخول الثابتة والطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.

ويؤكد صندوق النقد الدولي، في تحليله الصادر في مايو 2026، أن الأسر الأقل دخلًا تنفق عادة نسبة من دخولها على الغذاء والطاقة تعادل ضعفين أو ثلاثة أضعاف النسبة لدى الأسر الأكثر ثراءً.

وبالتالي فإن الزيادة السعرية نفسها لا تعني العبء الاجتماعي نفسه؛ فما يمثل انخفاضًا محدودًا في الرفاهية لدى أسرة ميسورة قد يتحول إلى تهديد للأمن الغذائي أو القدرة على التعليم والعلاج لدى أسرة فقيرة.

إن الداء الحقيقي ليس في تصحيح الأسعار بذاته، بل في حدوث التصحيح دون حماية كافية ومتزامنة، وتحميل المواطنين أعباء إصلاحات لا تتوزع تكاليفها وعوائدها بعدالة.

الداء الثاني: إصلاح المالية العامة دون إصلاح كفاءة الدولة

دعت جورجييفا إلى ثلاثة إجراءات مترابطة: تعزيز الإيرادات، وترشيد الإنفاق، وتحسين الإدارة المالية العامة.

غير أن تعزيز الإيرادات لا ينبغي اختزاله في فرض ضرائب جديدة أو زيادة الأعباء على الممولين الملتزمين؛ وإنما يتطلب توسيع القاعدة الضريبية، والحد من التهرب، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين عدالة وكفاءة التحصيل.

كذلك فإن ترشيد الإنفاق لا يعني بالضرورة تقليص الخدمات الاجتماعية، وإنما إعادة ترتيب الأولويات، والحد من الهدر، وتقييم الجدوى الاقتصادية للمشروعات العامة.

وتبرز هنا أهمية إصلاح الشركات المملوكة للدولة، وتحقيق الحياد التنافسي بينها وبين القطاع الخاص، وتحسين إدارة الاستثمارات العامة.

فلا يستقيم اقتصاديًا أن يُطلب من المواطن تحمل التكلفة الكاملة للخدمات والطاقة، بينما تظل بعض أوجه الإنفاق العام أو الأنشطة الاقتصادية الحكومية بعيدة عن التقييم المستقل لكفاءتها وعوائدها.

وقد أكد صندوق النقد، في مراجعته السابعة للبرنامج المصري في يوليو 2026، أهمية تعزيز إدارة المالية العامة، وتقليص المخاطر المرتبطة بالشركات الحكومية، وتسريع الإصلاحات الهيكلية والحياد التنافسي.

الدواء الأول: حماية القوة الشرائية بدلًا من تجميد الأسعار

لا تعني عبارة احموا الناس لا الأسعار ترك المواطن لمواجهة تقلبات الأسواق دون تدخل، وإنما إعادة تصميم الحماية الاجتماعية بحيث تصل الموارد إلى مستحقيها بكفاءة وعدالة.

ويتحقق ذلك بتوسيع التحويلات النقدية الموجهة، وتحديث قواعد بيانات المستحقين، وربط قيمة المساعدات بتغير تكاليف المعيشة، مع حماية الخدمات الأساسية، ولا سيما الغذاء والصحة والتعليم والنقل العام.

والأهم أن تصل المساندة قبل الزيادات السعرية أو بالتزامن معها، وليس بعد أن تتآكل الدخول والمدخرات.

كما ينبغي ألا تقتصر الحماية على الفئات الأشد فقرًا، بل تمتد بصورة مؤقتة ومدروسة إلى الأسر القريبة من خط الفقر والشرائح المتوسطة الأكثر تعرضًا للصدمات.

ومع ذلك، لا توجد وصفة واحدة صالحة لجميع الظروف؛ فصندوق النقد نفسه يقر بإمكان اللجوء إلى دعم سعري مؤقت للسلع الأساسية في حالات الصدمات الاستثنائية أو تهديد الأمن الغذائي، عندما تكون شبكات الحماية غير كافية.

الدواء الثاني: الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة

تقدم إندونيسيا تجربة مهمة في إصلاح دعم الطاقة مع تعويض الفئات المتضررة. فقد ساهمت إصلاحات عامي 2014 و2015 في خفض تكلفة دعم الطاقة بنحو نقطتين مئويتين من الناتج المحلي الإجمالي، وإتاحة موارد إضافية للصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية.

ولم تعتمد التجربة على رفع الأسعار وحده، بل طورت قواعد بيانات المستفيدين وبرامج التحويلات النقدية.

أما البرازيل، فقد طورت برنامج بولسا فاميليا الذي يربط المساعدات النقدية بالحماية الاجتماعية والاستثمار في رأس المال البشري، خصوصًا التعليم والصحة.

ويشير البنك الدولي إلى مساهمة توسع البرنامج، إلى جانب تحسن سوق العمل وزيادة الحد الأدنى الحقيقي للأجور، في خفض الفقر خلال السنوات الأخيرة.

والدرس المشترك أن الإصلاح المستدام لا يكتفي بتقليل الدعم، وإنما يعيد توجيه موارده نحو بناء قدرات الإنسان وتحسين فرصه الاقتصادية.

الدواء الثالث: من الحماية الاجتماعية إلى المساءلة المحاسبية

تمتلك مصر قاعدة مؤسسية يمكن البناء عليها، وفي مقدمتها برنامجا تكافل وكرامة، اللذان استفادت منهما نحو 4.66 مليون أسرة حتى ديسمبر 2025، وفق بيانات البنك الدولي.

لكن التحدي لا يقتصر على عدد المستفيدين أو حجم المخصصات المالية، وإنما يمتد إلى كفاية المساعدات، وعدالة الاستهداف، وسرعة الاستجابة للتضخم، ومدى قدرة البرامج على منع تدهور مستويات المعيشة.

ومن هنا تبرز ضرورة إخضاع برامج الحماية الاجتماعية للمراجعة المستقلة والتوكيد المهني على نتائجها، ونشر مؤشرات دورية تقيس كفاءة استخدام الموارد العامة وفاعلية وصولها للمستحقين.

فالإنفاق على الحماية الاجتماعية ليس نجاحًا في حد ذاته؛ إنما النجاح هو الأثر الذي يحققه هذا الإنفاق.

الأثر: المواطن هو الاختبار النهائي للإصلاح

ينبغي قياس نجاح الإصلاح الاقتصادي من خلال ثلاثة أبعاد متكاملة: تحسن استدامة المالية العامة، وارتفاع كفاءة الاقتصاد وقدرته الإنتاجية، وتحسن الرفاهية الحقيقية للمواطن.

ولهذا أقترح إنشاء مؤشر وطني لحماية القوة الشرائية وأثر الإصلاح الاقتصادي، يقيس بصورة دورية التغير في الدخول الحقيقية، ونسبة الإنفاق على الضروريات، ومدى كفاية التحويلات الاجتماعية، وفرص العمل المستدامة، وتأثير القرارات الاقتصادية على الفئات المختلفة.

ويُعلن المؤشر بشفافية، ويخضع لتقييم مستقل، حتى تصبح المساءلة عن نتائج الإصلاح مكملة للمساءلة عن تنفيذ الموازنة.

خاتمة: احموا الناس لا الأسعار

إن رسالة مديرة صندوق النقد الدولي تستحق أن تتحول من شعار عالمي إلى معيار عملي لتقييم السياسات الاقتصادية.

فلا حماية مستدامة للمواطن دون اقتصاد منتج ومالية عامة منضبطة، ولا إصلاح عادل دون توزيع منصف للأعباء ومساءلة واضحة عن النتائج.

إن نجاح الدولة لا يُقاس بقدرتها على رفع الدعم أو تحرير الأسعار، وإنما بقدرتها على ضمان ألا يتحول الإصلاح الاقتصادي إلى تآكل مستمر في مستويات معيشة المواطنين.

وعندما تتعارض سرعة تصحيح الأسعار مع قدرة المجتمع على تحمل تكلفتها، تصبح جودة تصميم الحماية الاجتماعية وتوقيت تنفيذها اختبارًا حقيقيًا لكفاءة السياسات العامة.

فالإصلاح الاقتصادي ليس غاية في ذاته، والموازنة العامة ليست مجرد أرقام تتحسن؛ وإنما وسيلة لتحقيق التنمية والكرامة الإنسانية.

وتبقى رسالة جورجييفا، بما تحمله من دلالة اقتصادية واجتماعية، جديرة بأن تكون بوصلة الإصلاح:
احموا الناس لا الأسعار.

مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#الإصلاح الاقتصادي#الحماية الاجتماعية#تكافل وكرامة#صندوق النقد الدولي#كريستالينا جورجييفا#مصر