أحمد عز يقترح إنشاء سوق عربية موحدة للصلب لمواجهة فائض الإنتاج العالمي والقيود التجارية.
طرح المهندس أحمد عز، رئيس الاتحاد العربي للحديد والصلب، رؤية متكاملة لإنشاء سوق عربية موحدة لصناعة الصلب، بهدف تعزيز التكامل الصناعي والتجاري بين الدول العربية، ومواجهة التحديات التي تفرضها فوائض الإنتاج العالمية وتصاعد الإجراءات الحمائية في الأسواق الكبرى، مؤكدًا أن التحرك العربي المشترك أصبح ضرورة لحماية الصناعة وتعزيز قدرتها التنافسية.
وأوضح عز، خلال كلمته في قمة الصلب العربي، أن صناعة الصلب العربية شهدت تطورًا كبيرًا خلال العقود الماضية، إذ ارتفع الإنتاج من 4.4 مليون طن قبل 40 عامًا إلى نحو 44 مليون طن حاليًا، بما يعكس حجم التطور الذي حققته الصناعة العربية، وتجربة العمل العربي المشترك التي يمثلها الاتحاد منذ تأسيسه.
فائض عالمي يضغط على صناعة الصلب
وأشار رئيس الاتحاد إلى أن صناعة الصلب العالمية تواجه تحولًا هيكليًا عميقًا، في ظل اتساع الفجوة بين الطاقات الإنتاجية وحجم الطلب، موضحًا أن الطاقة الإنتاجية العالمية بلغت 2.5 مليار طن خلال عام 2025، مقابل إنتاج فعلي بلغ 1.85 مليار طن، ما أدى إلى وجود فائض يقدر بنحو 600 مليون طن.
ولفت إلى أن الأزمة تتزامن مع تراجع الإنتاج العالمي بنسبة 2% خلال عام 2025، وانخفاض الإنتاج الصيني إلى أقل من مليار طن للمرة الأولى منذ سنوات، إلى جانب تراجع الإنتاج في اليابان وروسيا وألمانيا، فضلًا عن انكماش الطلب العالمي للعام الرابع على التوالي.
وحذر من تفاقم الفائض خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن التوقعات تشير إلى زيادة الطلب العالمي بنحو 34 مليون طن فقط خلال الفترة من 2026 إلى 2028، مقابل التخطيط لإضافة طاقات إنتاجية جديدة تبلغ 139 مليون طن، وهو ما قد يدفع الفائض العالمي إلى نحو 745 مليون طن بحلول عام 2028، وفقًا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
تصاعد الإجراءات الحمائية يهدد الصادرات العربية
وتناول عز التحديات المرتبطة بتصاعد الحماية التجارية، مشيرًا إلى وجود 395 إجراءً قائمًا أو قيد التحقيق لمكافحة الإغراق والدعم على منتجات الصلب خلال عام 2025، إلى جانب بدء 165 تحقيقًا جديدًا خلال عامي 2024 و2025.
وأوضح أن الأسواق الكبرى تتجه إلى فرض قيود تجارية متزايدة، من بينها رسوم جمركية تصل إلى 50% في الولايات المتحدة، وتخفيض الحصص الاستيرادية في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، مع فرض رسوم مماثلة على الواردات التي تتجاوز الحصص المحددة.
وأكد أن الحماية التجارية لم تعد إجراءً استثنائيًا تلجأ إليه الدول عند تضرر صناعاتها، بل أصبحت توجهًا مستمرًا في الأسواق الكبرى، في ظل تراجع فاعلية منظومة التجارة الدولية وتزايد الاعتماد على اعتبارات الأمن الاقتصادي والقومي.
وأشار إلى أن حماية صناعة الصلب ترتبط بعدة اعتبارات، أبرزها مواجهة الدعم الذي تحصل عليه الشركات في الدول الكبرى، والتعامل مع فائض الإنتاج العالمي، والحفاظ على فرص العمل، فضلًا عن أهمية الصلب للصناعات الدفاعية والبنية التحتية وأمن سلاسل الإمداد.
تحذيرات من تدفق الفائض العالمي إلى الأسواق العربية
وحذر رئيس الاتحاد العربي للحديد والصلب من تحول الأسواق العربية والأفريقية إلى وجهة بديلة لفوائض الإنتاج التي تواجه قيودًا في الأسواق الأمريكية والأوروبية، خاصة مع خفض الحصص الأوروبية بنحو 16 مليون طن سنويًا، بما يزيد الضغوط على الواردات إلى المنطقة.
وانتقد تأخر وتشتت الإجراءات الحمائية العربية، موضحًا أن الرسوم المفروضة في بعض الدول العربية تتراوح بين 5% و37%، مقارنة بمتوسط يصل إلى 50% في الأسواق الكبرى، فضلًا عن غياب التنسيق، بما قد يؤدي إلى حماية كل دولة لسوقها بصورة منفردة، في الوقت الذي تتعرض فيه الصادرات العربية لقيود جماعية في الأسواق الدولية.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة فرضت رسوم مكافحة إغراق متفاوتة على المنتجين العرب تتراوح بين 23.3% و127%، بخلاف الرسوم المفروضة بموجب المادة 232، فيما ضيق الاتحاد الأوروبي فرص دخول المنتجات العربية من خلال خفض الحصص وفرض رسوم على الكميات التي تتجاوزها.
السوق العربية الموحدة فرصة لتعزيز التنافسية
وأكد عز أن السوق العربية تمثل الحل الأهم لمواجهة هذه التحديات، مشيرًا إلى أن التجارة البينية العربية لا تتجاوز 13% من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية، رغم وجود اتفاقيات تستهدف تعزيز التكامل، وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
وأوضح أن الإنتاج العربي من الصلب، البالغ نحو 44 مليون طن، يمكن أن يضع المنطقة في المرتبة السابعة عالميًا إذا جرى التعامل معها باعتبارها كتلة إنتاجية واحدة، متقدمًا على دول مثل تركيا وألمانيا والبرازيل وإيران.
وأضاف أن متوسط استهلاك المواطن العربي من الصلب يتراوح بين 120 و130 كيلوجرامًا سنويًا، مقابل متوسط عالمي يتجاوز 210 كيلوجرامات، وأكثر من 400 كيلوجرام في الاقتصادات الصناعية، بما يعكس وجود فرص كبيرة لزيادة الاستهلاك ونمو الصناعة العربية.
وأشار إلى أن العالم العربي يستورد سنويًا كميات كبيرة من منتجات الصلب رغم وجود فوائض إنتاجية لدى بعض الدول، موضحًا أن واردات المنطقة خلال عام 2025 بلغت نحو 9 ملايين طن من المسطحات و9 ملايين طن من الأطوال، وهو ما يعكس فرصًا غير مستغلة لتوجيه الفوائض العربية إلى الأسواق التي تعاني عجزًا في هذه المنتجات.
أحمد عز، رئيس الاتحاد العربي للحديد والصلب">
4 مراحل لإنشاء جماعة عربية للصلب
وطرح رئيس الاتحاد العربي للحديد والصلب مقترحًا لإنشاء «الجماعة العربية للصلب»، وإقامة سوق عربية موحدة تقوم على أربع مراحل رئيسية، تبدأ بوضع إطار قانوني ومؤسسي من خلال اتفاقية قطاعية للصلب في إطار جامعة الدول العربية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، مع إنشاء قاعدة بيانات عربية موحدة للإنتاج والطاقات والتجارة.
وتتضمن المرحلة الثانية إنشاء نظام حماية خارجي موحد، من خلال تأسيس سلطة عربية مشتركة للتحقيق في قضايا الإغراق والدعم والزيادة المفاجئة في الواردات، وإصدار تدابير تسري على الدول الأعضاء، إلى جانب وضع قواعد منشأ صارمة تشترط إجراء عمليات الصهر والصب داخل الدول العربية.
أما المرحلة الثالثة، فتستهدف إلغاء الحواجز الداخلية أمام تجارة الصلب ذي المنشأ العربي، وإزالة الرسوم الجمركية والقيود الكمية، وتوحيد المواصفات الفنية والاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة والمختبرات المعتمدة.
وتتمثل المرحلة الرابعة في إنشاء هيئة عربية دائمة للصلب، تتولى إدارة منظومة الحماية الخارجية، ومراقبة المنافسة داخل السوق، ونشر الأسعار والبيانات، والتدخل في أوقات الأزمات واختلال الأسواق.
وأوضح عز أن السوق الموحدة ستوفر للصناعة العربية سوقًا تضم أكثر من نصف مليار مستهلك، وتساعد على توجيه فوائض الإنتاج إلى الدول التي تعاني عجزًا، وترشيد الاستثمارات الجديدة لتلبية احتياجات المنطقة الفعلية، إلى جانب تعزيز القوة التفاوضية للمنتجين العرب وخفض تكاليف الإنتاج، ودعم التحول إلى صناعة الصلب منخفض الكربون بالاستفادة من توافر الغاز الطبيعي عربيًا.
6 توصيات لدعم صناعة الصلب العربية
وفي ختام كلمته، طرح عز ست توصيات أمام قادة صناعة الصلب والحكومات العربية، تتصدرها إقامة السوق العربية الموحدة للصلب وفق المراحل المقترحة، والبدء بالدول الراغبة في الانضمام.
كما دعا إلى تطوير نشاط الدرفلة وتشجيع المصانع على الاستثمار في المراحل الإنتاجية الأولى، بداية من الاختزال المباشر مرورًا بالصهر والصب المستمر، مع دعم عمليات الاندماج والاستثمار المشترك، وفرض رسوم تعويضية على الواردات المدعومة من المنتجات تامة الصنع وشبه المصنعة.
وشملت التوصيات تشجيع زيادة استهلاك الصلب في الدول العربية من خلال تيسير التمويل العقاري وتبسيط التراخيص وتوفير الأراضي المرفقة، إلى جانب دفع النمو الصناعي وتوطين صناعات السيارات والأجهزة المنزلية والمعدات وبناء السفن، بما يعزز الطلب على الصلب المسطح.
كما طالب بتحقيق المساواة في مستويات الحماية التجارية مع الدول الصناعية الكبرى، وإنشاء قطاعات متخصصة لصناعة الصلب داخل وزارات الصناعة العربية، تضم خبراء وممارسين من القطاع، لتعزيز التنسيق والتفاهم بين الحكومات والمنتجين.
واختتم أحمد عز كلمته بالتأكيد على أن أمام صناعة الصلب العربية خيارين، إما الاستمرار في العمل كأسواق متفرقة يسهل اختراقها، أو بناء سوق عربية موحدة، محمية من الخارج ومفتوحة من الداخل، وتديرها هيئة عربية تمتلك القدرة على اتخاذ القرار، داعيًا الحكومات والوزارات والهيئات والمنتجين إلى التعاون لتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي.
