
بقلم السعيد حمدي.
هل تغير نتائج انتخابات أمريكا المشهد؟
تابع العالم بشغف انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، ورغم أن ذلك يحدث دائمًا كون الولايات المتحدة هي الدولة الأكبر في العالم والمتحكمة في الكثير من مقاليد الأمور به، وما يحدث داخلها ينعكس عليه مع تفاوت درجات ذلك الانعكاس، إلا أن هذه المرة كان الاهتمام أكبر، حيث جاءت الانتخابات وسط ظروف عالمية معقدة، خاصة فيما يخص منطقة الشرق الأوسط منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فتلك الانتخابات كانت بمثابة اختبار فعلي لمدى رضا الأمريكيين عن سياسات ترامب العامة، سواء في الداخل الأمريكي أو خارجه، وليست فقط فيما يخص إيران، كما قال هو بنفسه في تصريحاته عقب ظهور النتائج.
وكانت المفاجأة أن ذلك حدث في ولايات كانت تعرف على مدار سنوات عديدة بتأييدها للجمهوريين، لكنها هذه المرة صوتت للديمقراطيين.
وجاءت النتائج لتكشف عن هزيمة كبيرة للحزب الجمهوري، حيث تمكن الديمقراطيون من السيطرة على مجلسي الكونجرس، بعد حصولهم على 54 مقعدًا في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين، بينما حصدوا 228 مقعدًا في مجلس النواب مقابل 139 للجمهوريين، وفق النتائج التي حُسمت حتى الآن رغم عدم الإعلان رسميا لكن ذلك لا يغير في الأمر شيئا.
أما على مستوى التصويت الشعبي في انتخابات مجلس النواب، فقد حصل الديمقراطيون على نحو 54.3% من الأصوات مقابل 44.4% للجمهوريين، وهي نتيجة تعكس حجم التحول في المزاج الانتخابي الأمريكي.
بالنسبة لنا في الشرق الأوسط، فما يهمنا هو ما سوف تؤول إليه الأوضاع بعد هذه النتيجة، وهل سيتمكن ترامب من إكمال حربه وإشعال المنطقة أكثر، أم أنه من الممكن منعه؟ الحقيقة أن ترامب، كرئيس للدولة، يملك أوراقًا تمكنه من المراوغة، إذ إنه يستطيع توجيه ضربة لإيران دون الحصول على موافقة مسبقة من الكونجرس، وفق الصلاحيات الرئاسية القائمة، لكن ذلك لا يعني امتلاكه سلطة مطلقة لشن حرب مفتوحة بلا قيود.
فبمقتضى قانون صلاحيات الحرب الأمريكي، يتعين على الرئيس إبلاغ الكونجرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات المسلحة في أعمال عدائية، كما يضع القانون مهلة 60 يومًا لإنهاء العمليات العسكرية ما لم يصدر الكونجرس تفويضًا باستخدام القوة أو إعلان حرب، مع إمكانية تمديدها 30 يومًا في ظروف محددة تتعلق بسلامة القوات الأمريكية.
وهنا تكمن أهمية سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس، إذ يصبح بإمكانهم ممارسة ضغوط تشريعية ورقابية أكبر على الإدارة الأمريكية، والتحقيق في قراراتها، ومقاومة توفير التمويل اللازم لاستمرار العمليات العسكرية، وإن كان ذلك لا يعني قدرتهم على إيقاف ترامب بمجرد صدور قرار منهم برفض الحرب، أو منعه من اتخاذ كل قرار عسكري بصورة فورية.
وعلينا أيضًا أن نضع نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي انتهت منذ أيام نصب أعيننا، خاصة أن بنيامين نتنياهو لم يستطع الحصول على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة والاحتفاظ بالوجوه القديمة نفسها.
فقد حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر المنافس بقيادة غادي أيزنكوت، بينما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا، وهو ما يجعلها صاحبة دور مؤثر في تحديد شكل الحكومة المقبلة، ويضع إسرائيل أمام احتمالات سياسية مختلفة، قد يكون من بينها وصول أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، إذا تمكن من بناء تحالف يضمن له الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا.
وبذلك لا نكون أمام تغير محتمل في المشهد الأمريكي فحسب، بل أمام احتمالات تغير في المشهد الإسرائيلي أيضًا، وهو ما قد ينعكس على طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وعلى مسار الحرب في المنطقة.
ترامب أعلن أنه سوف يستخدم حق النقض «الفيتو» إذا وجد قوانين يقرها الديمقراطيون لا تعجبه، وأضاف أنه ليس لديه مشكلة في أن يقال عنه رجل الفيتو.
ولكنه في النهاية يمثل حزبا ألحق به الضرر بسبب سياساته، وتعرض لهزيمة كبيرة في الانتخابات، ولا يمكن إغفال أن هناك عامين يفصلاننا عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي لا يمكن لترامب المشاركة فيها دستوريا بعد استنفاد فرصتيه في الرئاسة، وهو ما قد يجعله غير عابئ بالتداعيات الانتخابية لقراراته، ولكن هل سيسمح له الحزب بذلك؟
والحقيقة أن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت نتائج الانتخابات الأمريكية ستغير المشهد لا يمكن أن تكون بنعم أو لا بصورة قاطعة، لكن المؤكد أننا أمام توازنات جديدة قد تفتح الباب أمام تغيرات كبيرة.
فترامب لم يعد يمتلك الغطاء السياسي نفسه الذي كان يتمتع به خلال العامين الماضيين، وأصبح مضطرا إلى حساب ردود فعل الكونجرس، ليس فقط تجاه الحرب على إيران، وإنما تجاه مجمل سياساته.
وفي المقابل، فإن فوز الديمقراطيين لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب أو توقف التدخل الأمريكي في المنطقة، كما أن احتمالات التغيير في إسرائيل لا تضمن وصول حكومة أكثر اعتدالًا تجاه القضايا العربية، لكن اجتماع هذه المتغيرات في وقت واحد، مع تراجع شعبية سياسات ترامب داخليا، يضع المنطقة أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد، وربما الحد من الاندفاع نحو مزيد من التصعيد.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستثمر القوى الإقليمية والدولية هذه التحولات لفتح مسار جديد يضمن استقرار المنطقة، أم أن أصحاب المصالح في استمرار الصراع سينجحون في إفشال أي محاولة لتغيير الواقع؟ فما يحدث الآن قد لا يكون مجرد هزيمة انتخابية لحزب ترامب، وإنما بداية مرحلة سياسية جديدة قد تتجاوز آثارها حدود الولايات المتحدة لتصل إلى الشرق الأوسط بأكمله.
