أسواق الطاقة العالمية على موعد مع عام مليء بالتحديات في 2026، حيث تتزايد التقلبات في أسعار النفط بسبب تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية معقدة، مما دفع العديد من المؤسسات الكبرى لإعادة تقييم توقعاتها بشكل ملحوظ في بداية العام.
بعد عام 2025 الذي كان ضعيف الأداء نسبيًا، حيث بلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 69 دولارًا للبرميل، بدأ النفط عام 2026 بتوقعات هادئة قرب مستوى 60 دولارًا، لكن هذه التوقعات لم تدم طويلاً، إذ شهدت الأسعار قفزة كبيرة في مارس، متجاوزة 90 دولارًا، ولامست مستويات قريبة من 114 دولارًا في ذروة التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
تعديل جماعي للتوقعات.
هذا التصعيد أدى إلى مراجعات صعودية لتوقعات المؤسسات المالية الكبرى، حيث لا يزال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يميلان إلى سيناريو معتدل يتراوح بين 60 و66 دولارًا، بينما رفعت بنوك استثمارية مثل “باركليز” و”ستاندرد تشارترد” تقديراتها إلى حوالي 85 دولارًا للبرميل، مع توقعات بأن تبقى الأسعار مرتفعة ما دامت الاضطرابات مستمرة في الإمدادات، أما إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فقد تبنت رؤية وسطية تشير إلى متوسط يقارب 79 دولارًا خلال العام، مع احتمالات تراجع تدريجي في النصف الثاني إذا هدأت التوترات.
ثلاثة سيناريوهات تحكم السوق.
يرى المحللون أن سوق النفط في 2026 يتحرك وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية، السيناريو الأول هو السيناريو المعتدل حيث تستقر الأسعار بين 70 و80 دولارًا مع تحسن تدريجي في الإمدادات، السيناريو الثاني هو السيناريو الصاعد الذي يتجاوز فيه السعر 100 دولار وقد يصل إلى 150 دولارًا إذا استمرت تعطل الشحنات النفطية، بينما السيناريو الثالث هو السيناريو الهابط حيث قد يتراجع السعر إلى 60-65 دولارًا إذا عادت الإمدادات بقوة وتباطأ الطلب العالمي، وهذا التباين يعكس حالة “عدم اليقين العميق” التي تسيطر على السوق، حيث تتصارع أساسيات العرض والطلب مع المخاطر الجيوسياسية.
هل يصل النفط إلى 200 دولار؟
على الرغم من الحديث المتزايد عن سيناريوهات متطرفة، يؤكد الخبراء أن وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل لا يزال احتمالًا ضعيفًا، ويتطلب صدمة إمداد كبرى مثل إغلاق طويل لممرات حيوية مثل مضيق هرمز، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
فرص استثمارية مشروطة بالحذر.
في ظل هذه البيئة المتقلبة، يرى المحللون أن الاستثمار في النفط خلال 2026 قد يكون مجزيًا، لكن بشرط اختيار توقيت الدخول بعناية، حيث إن الدخول عند مستويات مرتفعة فوق 100 دولار قد ينطوي على مخاطر كبيرة، خاصة إذا تراجعت التوترات بسرعة، بينما تبدو المستويات بين 70 و80 دولارًا أكثر توازنًا للمستثمرين، كونها تعكس أساسيات السوق بعيدًا عن تأثير “علاوة الخوف”.
يبقى النفط في 2026 سوقًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، حيث لا تحكمه الأرقام بقدر ما تحكمه التطورات السياسية والاقتصادية المتسارعة، وبين احتمالات الارتفاع الحاد والتراجع المفاجئ، تظل المرونة والقراءة الدقيقة للمشهد العالمي هما مفتاح التعامل مع واحدة من أكثر أسواق العالم حساسية وتقلبًا.

