في ظل التوترات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط، خاصةً مع الحرب في إيران وتأثيراتها على سلاسل الإمداد العالمية، تتسابق القوى الكبرى لإعادة التفكير في استراتيجياتها المتعلقة بأمن الطاقة.
كشف تقرير من «أويل برايس» عن تحول استراتيجي تقوده الصين واليابان نحو تنويع مصادر الطاقة، حيث تسعى الدولتان للاعتماد أكثر على آسيا الوسطى والممرات البرية البديلة، مما يساعد على تقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية المهمة مثل مضيق هرمز، الذي يعتبر شريانًا رئيسيًا لإمدادات النفط والغاز.
أزمة الشرق الأوسط تدفع العالم لإعادة هندسة سلاسل الطاقة.
تشير الأحداث الأخيرة إلى أن الحرب في إيران أدت إلى أزمة طاقة عالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط والغاز وتعطلت مسارات الشحن الدولية، وقد تأثر مضيق هرمز بشكل كبير، مما دفع الحكومات لإعادة تقييم أمن الطاقة والبحث عن بدائل أكثر استقرارًا.
اليابان والصين.. سباق لتأمين بدائل خارج الشرق الأوسط.
في مواجهة هذه الاضطرابات، تسارع اليابان والصين لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الشرق الأوسط، حيث تعمل طوكيو على تقليل اعتمادها على واردات النفط من المنطقة، بينما تتجه بكين لتوسيع شبكة الإمدادات عبر الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية وآسيا الوسطى وكندا، في إطار استراتيجية شاملة لتعزيز المرونة وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
اليابان أمام هشاشة استراتيجية في أمن الطاقة.
تظهر الأزمة هشاشة واضحة في بنية أمن الطاقة اليابانية، حيث تعتمد البلاد على الشرق الأوسط لأكثر من 90% من احتياجاتها من النفط الخام ونحو 11% من الغاز الطبيعي المسال، ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أصبحت 95% من وارداتها الحيوية مهددة، مما يفرض ضغوطًا على صانعي القرار لإعادة صياغة خريطة الإمدادات بشكل جذري.
الصين تتحول إلى آسيا الوسطى لتقليل المخاطر الجيوسياسية.
في المقابل، تتجه الصين بشكل متسارع نحو آسيا الوسطى كبديل استراتيجي لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المضطربة، وارتفعت نسبة النقل البري إلى أكثر من 50% من إجمالي تجارة الصين مع آسيا الوسطى، مقارنة بأقل من 20% قبل سنوات، مما يعكس تحولًا هيكليًا في أنماط التجارة.
الممر الأوسط.. شريان جديد يتجاوز الأزمات العالمية.
تعتمد بكين بشكل متزايد على “الممر الأوسط” الذي يربطها بأوروبا عبر كازاخستان دون المرور بروسيا أو الشرق الأوسط، ويوفر هذا الممر بديلاً أقصر بنحو 2500 كيلومتر مقارنة بالمسارات الشمالية، مما يعزز كفاءة النقل ويقلل من التعرض للمخاطر الجيوسياسية.
تطوير البنية التحتية.. قفزة نوعية في الربط الإقليمي.
شهد خط سكك حديد باكو–تبليسي–قارص توسعات كبيرة، حيث زادت طاقته من مليون طن إلى 5 ملايين طن سنويًا، مع خطط للوصول إلى 17 مليون طن بحلول 2034 و50 مليون طن على المدى الطويل، وشملت التحديثات إنشاء مسارات جديدة وتطوير نفق استراتيجي.
كازاخستان.. حجر الزاوية في الاستراتيجية الصينية.
تبرز كازاخستان كمركز محوري في رؤية الصين الجديدة، بفضل استقرارها ومواردها الضخمة، حيث تعد من أكبر منتجي النفط وأكبر منتج لليورانيوم عالميًا، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 48.7 مليار دولار في 2025، بزيادة 11% مدفوعًا باستثمارات متزايدة في الطاقة والبنية التحتية.
تنويع الشراكات.. من الطاقة إلى التكنولوجيا والزراعة.
العلاقة بين الصين وكازاخستان لم تعد مقتصرة على النفط والغاز، بل توسعت لتشمل قطاعات متعددة مثل الآلات والسيارات والطاقة الخضراء والزراعة، وتُعد كازاخستان اليوم أكبر مستقبل للاستثمارات الصينية في آسيا الوسطى.
تحول مبادرة الحزام والطريق.. من العملاق إلى الشبكات الذكية.
تشهد مبادرة الحزام والطريق تحولًا استراتيجيًا نحو ممرات إقليمية أصغر وأكثر كفاءة، حيث يركز هذا التحول على تقليل المخاطر الجيوسياسية وتعزيز الاستدامة الاقتصادية، مع توسع في مشاريع الطاقة الخضراء والتقنيات الحديثة.
إفريقيا.. وجهة صاعدة في الاستثمارات الصينية.
في سياق إعادة توزيع الاستثمارات، أصبحت إفريقيا أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول، حيث سجلت قفزة كبيرة في الاستثمارات الصينية بنسبة 283% لتصل إلى 61.2 مليار دولار في 2025، مما يعكس توسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة السمراء ضمن رؤية أكثر مرونة واستدامة.

