الاقتصاد العالمي" width="750" height="450" />
أزمة التكرير تشعل الاقتصاد العالمي.
أزمة مزدوجة تربك أسواق الطاقة العالمية
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحربين في إيران وأوكرانيا أصبحتا تؤثران في الحلقة نفسها داخل سوق الطاقة العالمي، إذ يؤدي التصعيد في إحدى الجبهتين إلى زيادة الضغوط في الأخرى، ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط والوقود والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، لم تعد أزمة الطاقة مرتبطة بنقص المعروض من النفط الخام، وإنما أصبحت ترتبط بقدرة العالم على تحويل هذا النفط إلى منتجات مكررة تلبي احتياجات الأسواق.
رهان أمريكي على انخفاض النفط.. وحسابات لم تصمد طويلًا
في مطلع يوليو الماضي، اعتقدت الإدارة الأمريكية أن تراجع أسعار خام برنت إلى نحو 72 دولارًا للبرميل بالتزامن مع استئناف صادرات الخليج وزيادة الإنتاج الإماراتي يوفر مساحة تسمح باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران دون تحمل أعباء اقتصادية كبيرة. لكن هذا التقدير اصطدم بواقع مختلف؛ إذ تبين أن استقرار أسعار الخام لا يعكس حقيقة أوضاع سوق الطاقة، حيث تستمر المصافي الرئيسية في السعودية والكويت والبحرين والإمارات معطلة مما أدى إلى نقص حاد في الوقود المكرر رغم وفرة النفط الخام.
تعطل المصافي.. الأزمة الحقيقية في سوق الطاقة
تكشف الأزمة الحالية أن الاختناق الحقيقي يتركز في قطاع التكرير العالمي وليس في إنتاج النفط. فخروج عدد من المصافي الكبرى عن الخدمة كليًا أو جزئيًا أدى إلى انخفاض إنتاج البنزين والديزل وسائر المشتقات النفطية، الأمر الذي رفع أسعار الوقود عالميًا وزاد تكلفة النقل والإنتاج الصناعي رغم استمرار تدفق النفط الخام إلى الأسواق.
إيران تستخدم الملاحة البحرية كورقة ضغط اقتصادية
منذ استئناف الحرب، اعتمدت طهران استراتيجية تهدف لتحويل خسائرها العسكرية إلى ضغوط اقتصادية تستهدف الولايات المتحدة. وبعد إلغاء واشنطن مذكرة التفاهم التي كانت تسمح مؤقتًا بعودة صادرات النفط الإيرانية عقب إعادة فتح مضيق هرمز، فقدت إيران الحافز الاقتصادي لخفض التصعيد وعادت لاستخدام الملاحة البحرية كورقة ضغط لإرباك الأسواق ورفع تكلفة المواجهة على واشنطن.
كما جاء استهداف حركة الشحن بالتزامن مع عودة أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب ليعكس التحول الاقتصادي الذي يلعب دورًا رئيسيًا في قرارات التصعيد.
أوكرانيا تضرب المصافي الروسية بدلًا من حقول النفط
في المقابل، كثفت أوكرانيا هجماتها على المصافي الروسية بعدما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الإيرادات النفطية لموسكو. ورأت كييف أن استهداف قدرات التكرير أكثر تأثيرًا من مهاجمة حقول الإنتاج لأن روسيا تستطيع تعويض جزء كبير من خسائر الإنتاج بينما يصعب تعويض خسائر التكرير على المدى القصير.
روسيا تواجه تحولًا غير مسبوق في سوق الوقود
أدت الضربات الأوكرانية إلى تعطيل نحو 40% من قدرات التكرير الروسية مما دفع موسكو إلى فرض قيود على صادرات الديزل والبنزين بل واللجوء لاستيراد بعض المنتجات النفطية. وفي الوقت نفسه اضطرت روسيا لتصدير كميات أكبر من النفط الخام غير المكرر بينما تراجعت صادرات المنتجات النفطية بصورة ملحوظة مما زاد الضغوط على سوق الوقود العالمية.
حلقة تصعيد مغلقة ترفع أسعار الطاقة عالميًا
باتت الحربان تدوران داخل دائرة متشابكة يصعب كسرها؛ فارتفاع أسعار النفط نتيجة التصعيد مع إيران يزيد الإيرادات الروسية مما يدفع أوكرانيا لتكثيف استهداف المصافي وهو ما يؤدي لمزيد من نقص الوقود وارتفاع الأسعار عالميًا وبالتالي تزداد الكلفة الاقتصادية والسياسية لاستمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
ضغوط سياسية متزايدة على الإدارة الأمريكية
تضع هذه التطورات الإدارة الأمريكية أمام خيارات معقدة؛ فأي تسوية مع إيران قد تعزز نفوذها في مضيق هرمز بينما الضغط على أوكرانيا لوقف استهداف المصافي الروسية قد يؤدي لتخفيف الضغوط الاقتصادية على موسكو. وفي المقابل فإن استمرار الوضع الحالي ينذر بتفاقم أزمة الوقود مع اقتراب فصل الشتاء فيما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية متزايدة قبل انتخابات التجديد النصفي خاصة مع تصاعد الانتقادات الشعبية لاستمرار الحرب.
أزمة التكرير أخطر من أزمة النفط
تكشف الأزمة الراهنة أن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد العالمي لم يعد يتمثل في نقص النفط الخام بل يتعلق بمحدودية القدرات العالمية لتكريره وتحويله لوقود ومنتجات نهائية. ومع استمرار استهداف المصافي بالشرق الأوسط وروسيا تزداد مخاطر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتضخم العالمي مما يعني أن تداعيات الأزمة قد تستمر حتى لو تراجعت العمليات العسكرية ما لم تُعالج الاختناقات التي يعانيها قطاع التكرير العالمي والذي أصبح الحلقة الأكثر حساسية بشأن أمن الطاقة العالمي.

