قال الدكتور مهاب مجاهد، استشاري الطب النفسي، إن الإنسان يظل هو المتحكم في علاقته بوسائل الإعلام حتى في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أنه لا يتبنى فكرة أن مستخدمي المنصات الرقمية مجرد ضحايا لما يُعرض عليهم أو أنهم فقدوا القدرة على التحكم في اختياراتهم.
وأوضح أن طبيعة التفاعل العاطفي مع المحتوى اختلفت بين وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن التفاعل مع الصحف والكتب والقنوات التليفزيونية كان أشبه بالنزول على درجات السلم، إذ يتخذ المتلقي قراره في كل خطوة، سواء بمواصلة القراءة أو التوقف عند صفحة معينة أو الانتقال إلى قناة تليفزيونية أخرى باستخدام جهاز التحكم عن بُعد.
العلاقة مع الإعلام التقليدي كانت تقوم على الاختيار التدريجي
وأضاف خلال حديثه مع الإعلامي رامي رضوان ببرنامج «من ماسبيرو»، المذاع على شاشة «القناة الفضائية المصرية»، أن العلاقة مع الإعلام التقليدي كانت تقوم على الاختيار التدريجي، بينما أصبحت العلاقة مع الإعلام الرقمي في عصر منصات التواصل أشبه بالانزلاق على منحدر، إذ لا يحتاج المستخدم سوى إلى اتخاذ الخطوة الأولى، ليجد نفسه بعد ذلك منغمسًا عاطفيًا في المحتوى دون أن يدرك كيف وصل إلى هذه الحالة.
الإعلام التقليدي اعتمد على ما يُعرف بنظرية «الإغراق الإعلامي»
وأشار إلى أن الإعلام التقليدي اعتمد على ما يُعرف بنظرية «الإغراق الإعلامي»، التي درسها المتخصصون في الإعلام، وتقوم على تكرار الرسالة أو الفكرة ذاتها عبر وسائل متعددة بهدف تكوين قناعة معينة لدى الجمهور أو تغيير صورة ذهنية لديه.
ولفت إلى أنه في الماضي، حين كانت وسائل الإعلام محدودة بين ثلاث قنوات تليفزيونية ومجلتين وأربع أو خمس صحف، سواء قومية أو مستقلة، كان الجمهور يجد الفكرة ذاتها مطروحة في عناوين الصحف والموضوعات الرئيسية وأغلفة المجلات والبرامج التلفزيونية والنشرات الإخبارية، بما يسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيهه.
وأكد أن هذا الإغراق الإعلامي أصبح يحدث بصورة آلية عبر خوارزميات المنصات الرقمية بدلًا من استغراق أسابيع أو أشهر، موضحًا أن مجرد اهتمام المستخدم بنوع معين من المحتوى لبضع ثوانٍ، نتيجة إثارة مشاعر معينة لديه، قد يؤدي خلال أقل من نصف ساعة من استخدام الهاتف إلى ظهور ما لا يقل عن 20 منشورًا تتناول الموضوع ذاته الذي أثار انتباهه ومشاعره.
تكرار ظهور المنشورات التي تتناول الفكرة نفسها يخلق لدى المستخدم انطباعًا بأن الجميع يتحدثون عنها
وأوضح أن تكرار ظهور المنشورات التي تتناول الفكرة نفسها يخلق لدى المستخدم انطباعًا بأن الجميع يتحدثون عنها، سواء في مصر أو على مستوى العالم، ما يدفعه تدريجيًا إلى الانتقال من مرحلة الدهشة إلى الألفة، ومن الشك إلى الاقتناع، ومن طرح التساؤلات إلى التصديق، باعتبار أن الجميع يتناولون الموضوع ذاته من زوايا مختلفة.
وشدد على أن الأمر لا يتعلق بمجموعات الحسابات الآلية التي تنشر محتوى متطابقًا، وإنما بطريقة عمل المنصات وخوارزمياتها التي تعيد ترتيب المحتوى وعرضه للمستخدم بمجرد اهتمامه بمنشور معين؛ فقد يكون من بين خمسة آلاف حساب يتابعها 20 حسابًا فقط تناولت الموضوع نفسه، لكن اهتمامه بمنشور واحد يدفع الخوارزمية إلى عرض المنشورات الـ19 الأخرى تباعًا، خاصة عند تحديث الصفحة.
وأضاف أن إعادة ترتيب المنشورات وعرضها المتتالي يعززان لدى المستخدم الشعور بأن العالم بأسره يتحدث عن القضية ذاتها، وهو ما يزيد من حالة الاستثارة العصبية والانفعالية لديه نتيجة المشاعر التي أثارها المحتوى في البداية.
