مقال: لماذا تبدو الضربة المحدودة لإيران محفوفة بالمخاطر؟

نبذة عن المقال
مقال رأي يربط بين صعوبة استهداف منشأة فوردو واحتمالات الرد الإيراني وتأثير أي تصعيد في مضيق هرمز على أسواق النفط والغاز

<a href=محمد فارس">

محمد فارس.

كابوس طهران المُعلَّق.

قبل سنوات، قال لي والدي رحمه الله – وكان ضابطًا متقاعدًا – إن إيران ليست العراق. كنا نتحدث عن أزمات المنطقة، لكنه توقف عند هذه الجملة، كأنها ليست رأيًا بل قانونًا: «العراق صحراء مفتوحة، ما يجعلك ترى أهدافك من الجو، وإيران جبل، والجبل لا يُقصف». ثم أضاف بهدوء: «لكن السياسيين لا يفهمون الجغرافيا، وهنا المشكلة». يومها بدا كلامه أقرب إلى حكمة قديمة مما هو تحليل عسكري، واليوم، بعد كل هذه السنوات، يبدو كلامه أصدق من أي وقت مضى.

وأنا أقرأ وأشاهد عن «الضربة المحدودة» التي تدرسها واشنطن، تذكرت جملته، خاصة أن السؤال الذي يتصدر النشرات: هل ستضرب أمريكا إيران؟ وهو ما أراه سؤالًا خاطئًا من الأساس، فالسؤال الحقيقي: إلى أي حد يمكن أن تذهب الضربة التقليدية قبل أن تتحول إلى فخ؟ الإدارة الأمريكية تعرف جزءًا من الجواب، ولهذا لا تتحدث عن حرب شاملة، بل عن «ضربة محدودة مبدئية». كنت قد قرأت في فبراير الماضي تقريرًا يقول إن الهدف مواقع عسكرية أو حكومية محددة، مع إبقاء خيار حملة أوسع «لأسابيع» على الطاولة، لكن التصميم نفسه يحمل تناقضًا لا يبدو أن أحدًا في واشنطن يحب الحديث عنه. وإذا كانت الضربة محدودة، فما الذي يمنع الرد الإيراني من أن يكون مفتوحًا؟ وإذا كان الرد مفتوحًا، فهل تبقى الضربة محدودة؟

لكن السؤال الأخطر ليس في طهران، بل في واشنطن: فهل يمكن لرئيس أمريكي أن يخوض حربًا واسعة عشية انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وهو يعرف أن أي حرب قبل استحقاق انتخابي قد تحرق الاقتصاد قبل أن تحرق الخصم؟ وهذا ما يفسر لماذا قال ترامب إنه «ليس في عجلة»، ولماذا أكد نائبه فانس أنه لا سقف زمنيًا لاستئناف الضربات، وهو ما ليس تراجعًا عن التهديد بقدر ما هو إعادة تموضع، وترامب، رجل الأعمال قبل السياسي، يعرف هذه المعادلة أكثر من غيره.

وحتى إذا قرر ترامب أن يدفع هذا الثمن الانتخابي، وهو أمر غير مرجح، فإن الجغرافيا تحكم في النهاية، فمنشأة فوردو تقع تحت جبل شاه كوه، على عمق يتراوح بين ثمانين وتسعين مترًا من الصخر، وقد قرأت تحقيقًا لشبكة CNN نقل عن وثائق استخباراتية أن المنشآت الرئيسية على هذا العمق، ما يجعلها في مأمن من أي قنبلة جوية معروفة تمتلكها إسرائيل، ويجعل تدميرها من الجو «مهمة شبه مستحيلة». وقد يكون هذا مبالغة، لكن المبالغة نفسها جزء من الردع، والمهم أن العائد العسكري من أي ضربة يبقى محدودًا؛ فهو تأجيل لا إلغاء، لأن القنبلة قد تدمر منشأة، لكنها لا تدمر كل ما يعرفه الخبراء.

وإذا كانت الجغرافيا تحمي إيران، فإنها تمنحها أيضًا ورقة لا تحتاج إلى سلاح نووي أصلًا، فهي ليست صواريخ، بل مضيق؛ فعبر هرمز يمر ما بين 20% و25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، بالإضافة إلى نحو 19–20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهذه الأرقام كفيلة بإحراج أي رئيس أمريكي، لأن أي اضطراب هناك لا يرفع الأسعار فقط، بل يضرب التضخم في أمريكا وأوروبا وآسيا، خاصة أن أكثر من 80% من تدفقات هرمز تتجه إلى آسيا، والصين والهند واليابان وكوريا في المقدمة. ولهذا يقول خبراء الطاقة إن إغلاقًا جزئيًا قد يدفع البرميل إلى مئة وعشرين أو مئة وخمسين دولارًا، وإن مواجهة شاملة قد تكسر حاجز المئتين، وحينها لن تكون الحرب صراعًا إقليميًا، بل أزمة اقتصادية عالمية.

وإذا كانت الحرب في هرمز تعني أزمة اقتصادية عالمية، فإن الخليج هو أول من يدفع ثمنها، فمحطات التحلية ومنشآت النفط ليست أهدافًا عسكرية في حسابات الحرب، بل شرايين حياة. ولهذا، عندما وافق مجلس النواب المصري في جلسته العامة في 26 أكتوبر 2026 على تفويض الرئيس السيسي باتخاذ ما يلزم لمساندة السعودية، استنادًا إلى المادة 152 من الدستور التي تشترط موافقة ثلثي الأعضاء، لم يكن القرار إعلان حرب، بل رسالة ردع؛ لأنه لم يحدد حجم القوات ولا مدتها، فمصر تضع بذلك ثقلها الدستوري خلف الخليج من دون أن تعلن حربًا، وترفع كلفة أي مغامرة إيرانية.

وإذا كانت كل هذه التشابكات تتركنا أمام سيناريو واحد يبدو أكثر ترجيحًا من غيره، فهو إدارة التوتر دون حله، لأن واشنطن لا تريد حربًا شاملة ولا سلامًا دائمًا، وطهران لن تستسلم ولا تريد مواجهة مفتوحة، والخليج يريد ردعًا بلا انزلاق، لتظل النتيجة توترًا مُدارًا لا استقرارًا، وهذا التوتر قد ينفجر في أي لحظة بسبب حادث عرضي أو قراءة خاطئة.

وهذا هو «الكابوس المعلق» الحقيقي، فهو ليس الحرب الشاملة التي يخشاها الجميع، لأنها أقل ترجيحًا بسبب كلفتها، ولكنه الانفلات غير المقصود؛ أي أن تبدأ الأمور بضربة محدودة يظن صاحبها أنه يتحكم فيها، ثم تخرج عن السيطرة، بسبب سوء تفسير الضربة المحدودة، أو لأن الرد الإيراني يأتي أكبر مما كان متوقعًا، أو لأن حادثة صغيرة في هرمز تتصاعد حتى تشعل سلسلة تكاليف لا يتحكم بها أحد. وهناك سيناريو رابع أقل ترجيحًا، لكنه ليس مستحيلًا: أن يدفع اليأس من عجز الضربة التقليدية عن اختراق فوردو إلى خيار نووي تكتيكي، وفي هذا النوع من الصراعات لا ينتصر من يملك خيار الضربة، بل من يمنع تحوّل الخيار إلى كارثة.

قال لي والدي ذلك اليوم: «الجبل لا يُقصف». لم يكن يقصد الجغرافيا فقط. كان يقول إن السياسيين ينسون أن الأرض تنتقم من الذين لا يقرأونها. والدي رحل. والجبل ما زال هناك. والسياسيون، كما قال، ما زالوا لا يفهمون.

✓فحص وتدقيق «إقرأ نيوز»:
✔️صحيح إلى حد كبير
📌 الادعاء المتداول: تحليل يتناول احتمال ضربة أمريكية محدودة لإيران وصعوبة استهداف منشأة فوردو، مع الإشارة إلى تأثير أي تصعيد في مضيق هرمز على أسواق الطاقة
🔍 خلاصة التحقق: المادة ليست خبرًا إخباريًا مباشرًا بل مقال رأي يستند إلى تقارير وإشارات منسوبة إلى مصادر مختلفة. أبرز ما ورد فيها عن عمق منشأة فوردو وأهمية مضيق هرمز وموقف ترامب وفانس جاء بصيغة تحليلية أو إحالات غير موثقة داخل النص، لذا تُقيَّم كمحتوى صحيح إلى حد كبير مع حاجة لبعض التفاصيل إلى تدقيق مستقل
مشاركة المقال: فيسبوك منصة X واتساب تيليجرام
🏷️ الوسوم:#إيران#الولايات المتحدة#فوردو#مجلس النواب المصري#محمد فارس#مضيق هرمز