قال الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مساعد بكلية الزراعة في جامعة بنها ورئيس لجنة الزراعة والري بحزب الوعي، إن صغار المزارعين هم العمود الفقري للقطاع الزراعي حيث يسهمون بشكل كبير في إنتاج الغذاء ويعززون النشاط الاقتصادي في الريف.

رغم هذه الأهمية، يظل هؤلاء المزارعون الحلقة الأضعف في سلسلة السوق، حيث يحصلون على أقل نصيب من القيمة المضافة مقارنة ببقية الأطراف في العملية الزراعية، وهذا يشير إلى ضرورة إعادة صياغة العلاقة بينهم وبين السوق بحيث يتحولوا من مجرد متلقين للدعم إلى شركاء حقيقيين في خلق القيمة.

تتجاوز سلاسل القيمة الزراعية كونها مجرد مسار لنقل المنتجات من الحقل إلى المستهلك، فهي منظومة متكاملة تبدأ من المدخلات والتمويل، مرورًا بالإنتاج والتجميع والتصنيع، وصولًا إلى التسويق المحلي والتصدير، وكلما تم دمج صغار المزارعين داخل هذه المنظومة بشكل مؤسسي ومنظم، زادت قدرتهم على التفاوض وتحسنت جودة منتجاتهم وزاد نصيبهم من العائد النهائي.

التحديات الهيكلية لا تزال قائمة، حيث تعاني المزارع الصغيرة من محدودية الحيازات وضعف الوصول إلى التمويل وتقلبات الأسعار وغياب المعلومات الدقيقة عن السوق، مما يجعلهم عرضة للمخاطر، كما أن سيطرة الوسطاء تؤدي إلى تآكل هامش ربحهم، لذا يجب أن يكون التمكين في شكل آليات ربط ذكية ومستدامة وليس دعمًا تقليديًا.

نحتاج إلى أفكار تتجاوز الأطر التقليدية، مثل إنشاء “بورصات قروية رقمية” تعرض المحاصيل قبل الحصاد بنظام التعاقد المسبق، مما يساعد على تقليل المخاطر السعرية ويمنح المزارع رؤية واضحة لعائده المتوقع بدلاً من الدخول في دوامة عدم اليقين.

يمكن أيضًا تحويل مراكز التجميع الزراعية إلى وحدات امتياز تعمل وفق معايير جودة معتمدة من شركات تصنيع كبرى، بحيث يديرها شباب مدربون من المجتمع الريفي، مما يحول مركز التجميع من حلقة تقليدية ضعيفة إلى حلقة احترافية تضمن الجودة والتسعير العادل وتختصر المسافة بين المنتج والمصنع، وعند الحديث عن التمويل، فإن ربطه بالإنتاج عبر عقود رقمية موثقة يتيح الإفراج المرحلي عن التمويل وفق التزام المزارع بالتوريد، مما يعزز ثقة المؤسسات المالية ويقلل من مخاطر التعثر، كما يمكن إنشاء صناديق استثمار ريفية تشاركية تُوجَّه للاستثمار في البنية التحتية لسلاسل القيمة مثل التخزين والنقل، مما يحول المجتمع المحلي من متلقٍ للدعم إلى شريك استثماري في التنمية.

القيمة الحقيقية لا تتولد فقط في مرحلة الإنتاج، بل إن إدماج المزارع في التصنيع الأولي داخل التجمعات الزراعية يمثل نقلة نوعية، فعندما يتم إنشاء وحدات صغيرة للتجفيف أو التصنيع الغذائي الأولي داخل القرى، ترتفع القيمة المضافة محليًا ويزداد دخل المزارع وتُخلق فرص عمل جديدة للشباب والنساء، كما يمكن إطلاق علامة تجارية وطنية خاصة بمنتجات صغار المزارعين المعتمدين بيئيًا، مما يفتح أسواقًا جديدة داخلية وخارجية ويمنح المنتج الصغير قوة تسويقية جماعية تعزز قدرته التنافسية، وفي هذا السياق، يمكن للمدارس والمعاهد الزراعية أن تتحول إلى منصات ربط سوقي تساهم فعليًا في إدارة الجودة والتسويق والتعاقد.

الرؤية الاستراتيجية هنا تتجه نحو التحول من سياسة “حماية المزارع” إلى سياسة “تمكين المزارع اقتصاديًا”، فالحماية قد تضمن البقاء ولكن التمكين يضمن الاستدامة والنمو، وعندما يتم دمج التكنولوجيا بالتمويل وربط الإنتاج بالتصنيع وإشراك المجتمع المحلي في الاستثمار، فإننا نعيد بناء سلاسل القيمة على أسس أكثر عدالة وكفاءة، وفي تقديري، إن نجاح هذه المنظومة يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات المالية بحيث يعمل كل طرف بشكل تكاملي، فالدولة تهيئ البيئة التشريعية والتنظيمية والقطاع الخاص يقود الاستثمار والتصنيع والمؤسسات المالية تطور أدوات تمويل مبتكرة بينما يتولى المجتمع المدني والتنظيمات التعاونية بناء قدرات المزارعين.

تمكين صغار المزارعين من الاندماج في سلاسل القيمة ليس رفاهية تنموية بل ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز العدالة الاجتماعية ودعم الاقتصاد الوطني، فكلما ارتفع نصيب المزارع من القيمة المضافة زادت قدرته على التطوير والاستثمار، وتحولت الزراعة من نشاط معيشي محدود العائد إلى نشاط اقتصادي تنافسي ومستدام، وهكذا يجب أن تقوم المعادلة الجديدة على مبدأ واضح وهو الانتقال من دعم المزارع إلى شراكته في خلق القيمة.