قال الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مساعد في كلية الزراعة بجامعة بنها ورئيس لجنة الزراعة والري بحزب الوعي، إن تسعير المنتجات الزراعية يعد من القضايا الحيوية التي تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في أي دولة، حيث إن الأسعار التي تُحدد عند باب المزرعة تمتد آثارها إلى حياة المواطن اليومية واستقرار الأسر، فالسعر ليس مجرد رقم بل هو جزء من معادلة معقدة تؤثر على كل بيت.
أضاف إمبابي أن الزراعة بطبيعتها نشاط مليء بالمخاطر، فهي تتأثر بعوامل المناخ والمياه وتغيرات الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، لذلك فإن ترك عملية التسعير لقوى العرض والطلب دون تنظيم قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة، مثل انخفاض الأسعار في أوقات الوفرة مما يضر بالمزارع أو ارتفاعها في أوقات النقص مما يرهق المستهلك ويؤدي إلى زيادة التضخم.
وأشار إلى أهمية الدور التنظيمي للدولة من خلال مؤسساتها مثل وزارة الزراعة ووزارة التموين، حيث يجب أن يكون الهدف هو ضبط السوق وتحقيق التوازن بين جميع الأطراف، فوجود سعر ضمان عادل للمحاصيل الاستراتيجية يعد بمثابة حماية للمزارع ويشجعه على الاستمرار في الإنتاج مما يعزز الأمن الغذائي.
تابع إمبابي أنه لا يؤيد التسعير الإداري الكامل الذي يتجاهل آليات السوق، لأن ذلك قد يؤدي إلى ظهور ممارسات غير رسمية أو احتكارية، والحل يكمن في نموذج متوازن يجمع بين سعر ضمان عادل وسوق تنافسي منظم يعتمد على الشفافية، مع استخدام أدوات حديثة مثل البورصة المصرية للسلع والتوسع في الزراعة التعاقدية لتقليل المخاطر وضمان استقرار الدخل.
أوضح أن المشكلة الأعمق تكمن في الفجوة بين ما يحصل عليه المزارع وما يدفعه المستهلك، حيث إن تعدد الوسطاء وارتفاع تكاليف النقل والتخزين وضعف التنظيم اللوجستي تؤدي جميعها إلى رفع السعر النهائي دون أن يستفيد المنتج الحقيقي، لذا فإن إصلاح سلاسل الإمداد وتقليل حلقات التداول غير المنظمة لا يقل أهمية عن سياسة التسعير.
قال إمبابي إن تسعير المنتجات الزراعية ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو قرار اجتماعي واستراتيجي يؤثر على دخول الأسر الريفية ومعدلات الفقر واستقرار الطبقة المتوسطة، وعندما يشعر المزارع بالإنصاف والمستهلك بالحماية يتحقق الاستقرار الحقيقي للسوق.
أضاف أن إصلاح منظومة تسعير المنتجات الزراعية يجب أن يعتمد على رؤية طويلة المدى تستند إلى بيانات دقيقة والتحول الرقمي في سلاسل الإمداد ودعم التعاونيات الزراعية وتفعيل آليات الشفافية، مع ضمان حد أدنى عادل للمزارع يحميه من تقلبات السوق وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، لأن التنمية الزراعية المستدامة لن تتحقق إلا من خلال بناء منظومة تسعير عادلة ومرنة تحقق التوازن بين المنتج والمستهلك والدولة، فالعدالة في التسعير ليست مجرد رفاهية بل هي ركيزة للاستقرار الوطني.
اختتم إمبابي بأن الزراعة لا تُبنى بالقرارات المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية عادلة تطمئن المزارع وتحمي المستهلك وتحصن الدولة.

