أرست محكمة النقض مبدأً قضائيًا مهمًا بشأن ضوابط الإثبات في المنازعات المدنية، مؤكدة أن الأصل عدم جواز إثبات ما يخالف أو يجاوز دليلًا كتابيًا بشهادة الشهود، وفقًا للمادة 61/1 من قانون الإثبات، متى تعلق الأمر بتصرف قانوني، إلا أن هذه القاعدة ليست من النظام العام، ويتعين على صاحب المصلحة التمسك بها أمام محكمة الموضوع، ولا يجوز للمحكمة إعمالها من تلقاء نفسها.
وأوضحت أن عدم جواز الإثبات بالبينة في الأحوال التي يتعين فيها الإثبات بالكتابة يجوز الاتفاق على مخالفته صراحة أو ضمنًا، كما أن سكوت صاحب المصلحة عن التمسك بهذه القاعدة قد يعد تنازلًا منه عن حقه في الإثبات بالطريق الذي رسمه القانون.
متى يجوز الاعتماد على شهادة الشهود رغم وجود مستند مكتوب؟
وأكدت محكمة النقض أن حكم المادة 61/1 من قانون الإثبات ينصرف إلى التصرفات القانونية المدنية، ولا يمتد إلى الوقائع والأعمال المادية، موضحة أن التصرف القانوني هو كل عمل إرادي يقصد به الشخص إحداث أثر قانوني، سواء كان في صورة عقد أو صادرًا عن إرادة منفردة أو مؤديًا إلى أي أثر قانوني آخر، أما الوقائع المادية، فتشمل الأفعال الضارة والنافعة ووضع اليد، وهي تختلف في طبيعتها عن التصرفات القانونية التي يتطلب القانون إثباتها بالكتابة في الأحوال المحددة.
وشددت أن قاعدة عدم جواز الإثبات بشهادة الشهود فيما يخالف الدليل الكتابي ليست من النظام العام، وبالتالي لا يجوز للمحكمة تطبيقها من تلقاء نفسها، وإنما يتعين على صاحب المصلحة التمسك بها أمام محكمة الموضوع، وإلا اعتبر سكوته تنازلًا عن حقه في التمسك بالإثبات بالكتابة.
لماذا نقضت المحكمة حكم رفض دعوى إيصال الأمانة؟
وأوضحت أن الحكم يكون مشوبًا بفساد الاستدلال إذا استند في تكوين عقيدته إلى أدلة غير صالحة موضوعيًا للاقتناع بها، أو أساء فهم العناصر الواقعية المطروحة، أو انتهى إلى نتيجة لا تؤدي إليها المقدمات التي اعتمد عليها.
وأضافت أن الثابت بالأوراق أن الطاعن تمسك أمام محكمة الاستئناف، بمذكرته المقدمة بجلسة 7 أكتوبر 2023، بعدم جواز الإثبات بغير الكتابة عملًا بالمادة 61 من قانون الإثبات، كما اعترض قبل بدء التحقيق بجلسة 16 يناير 2024، وطلب إنهاء إجراءاته وإعادة الدعوى للمرافعة.
ولم يثبت للمحكمة أن الطاعن تخلى عن هذا الدفع أو تنازل عنه في أي مرحلة من مراحل الاستئناف، إلا أن محكمة الاستئناف اعتمدت على أقوال الشهود في القضاء برفض الدعوى، واستخلصت منها عدم مديونية المطعون ضده بقيمة إيصال الأمانة، دون أن ترد على دفع الطاعن المتعلق بعدم جواز الإثبات بغير الكتابة.
وانتهت محكمة النقض إلى أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون، فقضت بنقضه وإحالة القضية إلى محكمة استئناف بني سويف.
بداية القضية
وتعود وقائع النزاع إلى إقامة الطاعن دعوى مدنية أمام محكمة بني سويف الابتدائية، طالب فيها بإلزام المطعون ضده بسداد مبلغ مليون و500 ألف جنيه، استنادًا إلى إيصال أمانة، بعدما امتنع الأخير عن السداد رغم إنذاره، وكانت محكمة أول درجة قد قضت بإلزامه بالمبلغ المطالب به، إلا أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم ورفضت الدعوى بعد إحالتها للتحقيق وسماع شهود الطرفين، وهو الحكم الذي طعن عليه أمام محكمة النقض بالطعن رقم 20910 لسنة 94 قضائية.
محكمة النقض.
الطعن رقم 20910 لسنة 94 قضائية.
قانون الإثبات.
المادة 61 من قانون الإثبات.
عدم جواز الإثبات بشهادة الشهود.
الإثبات بالكتابة.
شهادة الشهود.
التصرفات القانونية.
المنازعات المدنية.
أحكام محكمة النقض.
